الرياضة ليست مجرد مباريات وميداليات، بل هي روح جماعية، هوية، وإنتماء. ولكن عندما تتغلغل الانفرادية في نسيجها، يتحول المستطيل الأخضر إلى ساحة صـراع، ليس بين الفرق، بل بين المصالح، بين الشركة والجمعية، بين النفوذ والعراقة. هذه هي مأساة رجاء بني ملال، الفريق الذي صنع أمجاد كرة القدم الملالية، ولكنه اليوم مهـدد بالاندثار بسبب نزاع لم يكن طرفًا فيه، بل ضحية له.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: من يملك الفريق فعليًا؟ هل هو رأس المال المتحكم في عقوده وميزانيته؟ أم الجمعية التي تدّعي الشرعية القانونية والتاريخية؟ أم هو ذلك الجمهور الذي يهتف بإسمه دون إنتظار مردود مالي، والذي يعتبر الفريق إمتدادًا لهويته وذاكرته الجماعية؟
رجاء بني ملال ليس مجرد كيان إداري، وليس رقماً في دفاتر المحاسبة، بل هو تراث رياضي، وشغف متوارث. ولكن في زمن هيمنة الشركات الرياضية، يبدو أن المال يطغى على كل إعتبار، فتصبح القرارات مرهونة بالمصالح، وتتحول الفرق العريقة إلى رهائن في أيدي من يمتلك القوة المالية، حتى لو كان ذلك على حساب الروح الرياضية والإنتماء الجماهيري.
المفارقة العجيبة أن الصـراع القائم اليوم بين الشركة المسيرة للنادي والجمعية الرياضية ليس صراعًا حول كيفية تحسين الفريق أو تطويره، بل هو نزاع على من يتحكم فيه، على من يملك القرار، بينما الفريق نفسه يترنح بين الأزمات. في هذا الصراع، لا يُسمع صوت الجمهور، رغم أنه العنصر الوحيد الصادق في المعادلة.
لكن، أيهما يجب أن ينتصر: المنطق الإقتصادي الذي يطالب بتحويل الأندية إلى مؤسسات تجارية قائمة على الربح، أم المنطق العاطفي الذي يرى أن الفرق هي ملك لجماهيرها قبل أي شيء؟
اليوم، يعيش رجاء بني ملال مرحلة حرجة، حيث يجد نفسه بين المطرقة والسندان: مطرقة الشركة التي تبحث عن أرباح وإستثمارات، وسندان الجمعية التي تتمسك بمشروع رياضي ولكنها غير قادرة على فرض كلمتها. وبين الطرفين، فريق عريق يضيع في دوامة النزاعات، وجمهور وفيّ يشاهد بألم إنهيار أحلامه.
الحل ليس في الإنحياز لطرف دون آخر، بل في إعادة تعريف العلاقة بين المال والرياضة. يجب أن يكون هناك توازن بين الإستثمارات الضرورية للنهوض بالنادي، وبين إحترام تاريخه وجمهوره. لا يمكن اختزال الفرق الرياضية في معادلات تجارية باردة، كما لا يمكن أيضاً إهمال الإحترافية والإدارة المالية السليمة.
إنقاذ رجاء بني ملال لا يكون بمجرد شعارات، بل بقرارات جريئة تعيد للفريق إستقلاليته، وتضمن مشاركة الجمهور في مستقبله. لأنه، في النهاية، الأندية التي تفقد علاقتها بجماهيرها، تفقد جوهرها، وتتحول إلى مجرد مشاريع إستثمارية بلا روح.
أنقذوا رجاء بني ملال.. لأن الفرق لا تمـوت حين تخسر المباريات، بل تمـوت حين تفقد إنتماءها وشغفها!